لاريب أن الدين النصيحة ، وأننا خير أمة أخرجت للناس لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ..
وأن ديننا دين الأخلاق العظيمة ، دين الرأفة والرحمة والسمو ….
لا يشك في ذلك إلا جاحد ، أو مريض حاقد ……
وقد ذكرتكم بهذا كله ، لأشير أننا – البعض أو الأغلب – لا يجيد تقديم الأهم فالمهم في الشئون الحيوية ، بمعنى
أنه يخلط بين الأولويات ، فضلا عن أنه قد لا يفقهها أصلاً…….
ونلحظ ذلك – عادة – حينما نخضع أنفسنا لمغبة تقييم الآخرين ، أو التنقيب عن ثغراتهم وإن صغرت، بل ربما لا
نرى إلا الهفوات الصغيرة خاصة تلك التي تتعلق بالمكروهات أو تتعداها إلى المباحات …
حينئذ ٍ يكون نصحنا – للأسف – بطريقة فظة غليظة سميتها أنا الإرهاب التوجيهي ، لأنها ترهب الإنسان
المستقبل للتوجيه ، ناهيك الإحباط النفسي المسفر عن التغليظ على أمر لم يخرج من دائرة الحلال ……!!
وكأن شغل البعض منا وزن أعمال العباد ، والتستر على ذلك بدعوى النصيحة ….
ودعوني أضرب لكم مثالاً شجبني ، وجرى بقلمي على صفحتي ……
في إحدى ليالي شهر رمضان ، كنت أصلي في أحد الجوامع خلف شقيقي الطالب في كلية الهندسة
وصديقه وهما من الحفاظ المتقنين ……
وكانت قسمة تلك الليلة تقتضي أن يتولى أخي القيا م بالركعات الأخيرة والوتر ….
ولما فرغنا من الصلاة ، قفلنا عائدين ، وإذا بي أرى وجه أخي يكتسيه الحزن ، ولم ينبس لنا ببنت شفة …..
أقلقني أمره ، وشعرت بأن هناك غمة حلت به …..
فانتظرت حتى رجع بعد صلاة الفجر ……
وسألته عن الخطب ……
فقال بإحباط : رجل تبدو عليه أمارات الصلاح ، جاء إلى صديقي –الإمام الأول – وليس بيني وبينهما إلا عدة
أشبار ، فقال لصديقي (وأنا أسمعه) :
ماهذا الدعـــــــــــــاء الذي دعا به إمامكم ؟ ثلاثة ارباعه (انظروا للمبالغة) لم يرد في الكتاب والسنة …..
رد الصديق : كيف تقول ذلك ؟ بل ثلاثة أرباعه من الكتاب والسنة ، والباقي مما نسمعه من الأئمة والمشايخ ..
بل نصفها كأدعية الشيخ السديس في الحرم…….
قال الرجل : ((خلك من الحرم ……..الحرم كله غلط !!!! )) ….- انظروا لهذا التهويل والحكم على المشايخ-
و (( ترى )) لا تعتقد إني جاهل !!…أنا عندي متون وعندي مسند الإمام أحمد بن حنبل و…….و……….
هذا مقطع من الحوار الذي جرى ……
وقد كنتُ شاهدة في ذلك المسجد ، وسمعت دعـــــــــــاء القنوت ، ولم يكن فيه والحق لله أية بدعة أو شركيات ،
أو أن ثلاثة أرباعها كما قال الأخ لم ترد في الكتاب والسنة …….. بل أغلبها من المأثور ، واقترن به الدعاء
بما يشابهه أو تقتضيه حاجات الناس ومصالحهم ، دون تكلف أو تعدي ……..
أقول هذا ليس لأنه أخي ، بل لإحقاق الحق ….
ولأنوه على قضية عظمى ……..
ألا وهي الاهتمام بالأولويات ، والتهويل والمبالغات في قضايا كان الأولى التسامح فيها …….
ألم يكن جديرا بهذا الشخص أن يثني على الشباب الصالحين ، ويقوي عزيمتهم ، لاسيما أن غيرهم ربما غارق
في نومه ، أو منهمك في شهوته ، أو مضيع لدينه ……
ألم يكن جديراً به أن يصمت ، إن لم يقل خيراً ………؟؟!!
بالله عليكم يا سادة ، ألستم تدعون الله بحوائجكم المختلفة ، وتسمونها في سجداتكم وصلواتكم ، فيستجيب ربي لكم ؟؟!!((وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ))
وهؤلاء العامة ، بل الأميون ألا يدعون الله بما يجيء على سجيتهم وفطرتهم وبلهجاتهم البسيطة…..؟؟
هل نمنع الناس والأئمة من الدعاء بما يوافق المستجدات من الأزمات و الكربات في هذا العصر؟؟
ألا ترون أن إمام الحرم – حفظه الله – إذا دعا في القنوت ……
((اللهم حرر المسجد الأقصى من براثن اليهود …..وارزقنا فيه صلاة قبل الممات ))
يضج الحرم المكي بالأنين والبكاء ويهتفون منتحبين آمين ……..
مع أنه ليس لم يرد نصاً الكتاب والسنة ، ولكنه وافق مسألة ملحة ، وأملاً عظيماً يرتجيه العباد ؟؟
جاء في دليل الطالب لنيل المطالب : ((و لا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء …))
وهذا الذي نعلمه ونفهمه ، وإنكار ذلك وتضييق على العباد ، لا يرام منه خير ٌ أبداً…
وكان من نتائج هذا الإرهاب في النصح أن جاء أخي وقال لي :
ربما لا أعود للإمامة مرة أخرى …….
قلت له : لماذا ؟ هل زلزلك كلام ذلك الرجل فوهنت …؟
قال : كلا ، ولكني أرى نفسي غير أهل لها ، مع قصور في نفسي وافتقار إلى الله ……
قلت : هذا من مداخل الشيطان عليك ……..يريد أن يوهنك …..ولأن همه ان يحزن الذين آمنوا …
ومن منا المعصوم بربك ؟؟
كلنا ذوو خطأ ، كلنا مقصرون ، ولو لم يؤم الناس إلا الصالحون الكاملون ، لما أمَّ الناس أحد…….
إنها ابتلاءات ساقها الله إليك ، ليرى أتصبر وتثيت فتؤجر، أو تضجر فتتأخر وتنفر ؟؟
ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : ((بلغوا عني ولو آية ))
كلنا مخولون بالدعوة ، محسننا ومخطئنا، كبيرنا وصغيرنا ……
الدعوة إلى الله ليست حكراً على أحد ……
إنني أدعو نفسي وإياكم ألا نشغل أنفسنا بسفاسف الأمور ، وأن ندقق في كل صغيرة …….
فتكون النتيجة الحتمية ، إرهاب في النصيحة وتغليظ في التوجيه ……
ألم يات للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي استأذنه بكل جرأة في الزنا؟
ماذا فعل به ، هل أفحش له القول ، هل سبه هل شتمه ، هل أمر بضربه وحبسه ؟؟؟؟؟؟؟
حاشاه بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - شهد له ربي فقال : (وإنك لعلى خلق عظيم )
فهلا تأسينا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم ،
والقائد الأكبر لأمتنا الغراء ؟؟!!..
،
الضوء: لحسين الأحمد.